الرئيسية / بيانات ومواقف / النظام الأسدي و أحلام الانفصال النائمة , بقلم : علي محمد الامين

النظام الأسدي و أحلام الانفصال النائمة , بقلم : علي محمد الامين


كما أن أهل مكة أدرى بشعابها، فإن الشعب السوري أدرى بمغتصبي حريته. وهو أعلم بحركات هذا الطاغية، وسكناته، وجعجعته، و مقاصد أقواله و أفعاله حتى صار من البساطة بمكان و كأنه كتاب مفتوح يفهمه الصغير و الكبير في هذا الوطن السليب و المسكين حيث بإمكان معظم السوريون توقع أي خطوة قادمة من جهة رأس نظامهم، و غالباً ما تأتي تخميناتهم صحيحة كفلق الصبح. فكل ما يحتاجه المرء هو قليلاً من القدرة على تذكر الأحداث، و الربط بينها، و من ثم العمل على الاستنتاج المنطقي الذي عادة ما يكون في محله.
واليوم أحاول كسوري سبر مواقف اتخذها النظام تقودنا إلى استنتاجات خطيرة و مصيرية، وذلك بناءاً على عدة استقراءات طفحت لمراقبي الوضع السوري مؤيدة بتتالي خطوات للنظام قام بها و لا يمكن إساءة فهمها.
فما إن حطّ زين العابدين بن علي في جدة مودعاً تونس إلى الأبد، حتى ارتعدت فرائص بشار الأسد الذي يظن أنه سيحكم سورية إلى الأبد، فتأبط بشار برنامج الإرهاب، و تنكَّب قوس كذبه المعتادة، و صار يطلق سهامه كالبرق في كل الاتجاهات فراحت، لزيفها، تكشف زيف إدعاءاته و هشاشته.
أطلق النظام الفاشي ثلاثة سهام رئيسية استغرق في صنعها خمسين عاماً، أسهم الأول في قتل العديد من السوريين الشرفاء و ما لبث حتى فقد أية قوة تبقيه حياً فتلاشى ولكنه، و للأسف، آخذ معه أرواحاً طاهرة تعد بالآلاف.
و أطلق سهمه الثاني بإتجاه الشعب و صار كلما دنا من الأرض سقوطاً زودته قوىً إقليمية إرهابية بجرعة طاقة إضافية تؤخِّر سقوطه. و لأن بشار يعلم أن هذه الجرعات ستنضب قريباً لا محالة، بدأ يتأهب إلى استخدام السهم الثالث و الأخير و المخزَّن في كنانة الخيانة التي يعتز بها وهو يظن أنه سينجح في تحقيق مراده، و ظنه هذا تماما مثل ظن إبليس بأن الله سيدخله الجنة.
وفيما يلي نستطلع ماهية السهام الثلاثة التي تكسّر الأول و الثاني أصبح قاب قوسين أو أدنى من التحطم، بينما سيفشل الثالث دون قيد أو شرط.
1. السهم الأول: أن النظام يقبل بأن هنالك ثمة شرفاء لديهم مطالب مشروعة و النظام يعمل على مناقشتها.
2. السهم الثاني: مواجهة النظام جماعات مسلحة إرهابية تهدف إلى ضرب أمن و استقرار الوطن و تهدف إلى جلب التدخل العسكري الأجنبي و الاستعمار.
3. السهم الثالث: تيقن بأنه هنالك مؤامرة كونية تهدف إلى تقسيم و تفتيت الوطن.
و لم ينس النظام أن يختلق مبررات ملفقة، بل عجائبية، لتصنيع تلك السهام المسمومة، ففي صبيحة يوم 7/3/2011 بدأ تنفيذ المخطط التمثيلي تمهيداً لإحدى المسرحيات الإرهابية التي تعود و تمرّس على إنتاجها حين خرجت علينا فضائيات النظام تعلن أن سلطاته قامت بإلقاء القبض على شاحنة محملة بالأسلحة المتنوعة قادمة من العراق، و قد ذيلت تلك الفضائيات الخبر بأن القصد من إدخال هذه الأسلحة هو ضرب الاستقرار الداخلي في سورية “الأسد”- أعز الله مقداركم.
إن وقفة قصيرة عند هذا الخبر حينها تفيد باحتمالات تحليلية عدة، و من هذه التحليلات أن النظام أراد إيصال هذه الرسالة لعميِّ البصيرة من السوريين ليشدوا من أزره لاحقاً حين يوغل في أعمال القتل و التنكيل، و الأهم من هذا هو إيجاد مخرج يستند عليه مسانديه من الدول في تبرير إرهابه و سفكه لدماء السوريين.
و يمكن بناء أرضية أكاذيب متفقٌ عليها للمعمي على قلوبهم حتى يصدقوا هذه الافتراءات كما يتلخص بالتالي:
“بما أن النظام استطاع أن يلقي القبض على سيارة واحدة محملة بالأسلحة، فالمنطق يقول بأن هنالك سيارات أخرى قد نجحت في الدخول إلى سورية قبل هذا التاريخ،” و هذا بلا شك يعطي تبريراً “منطقياً” لأي نوع من الجرائم التي سترتكب في مراحل لاحقة.
و اعتقدَ النظام أنه باعتماد هذه الرسالة لدى الدول المساندة له في القتل كروسيا و الصين و إيران، و حزب الله “الإرهابي” يستطيع أن يسحق الثورة مستخدما سياسة اللف و الدوران لكسب الوقت، الأمر الذي يمكِّنه من قتل كافة المتظاهرين أو معظمهم، فعمد إلى إغلاق عيون العالم في سورية و فتح قنواته الفضائية التي تعمل كموظفات منزوعات الحياء و الشرف المهني، و صار يصدِّر أكاذيبه المطبوخة بعدة طرق؛ فالكذبة الكبرى هي اعترافه بأن هنالك مطالب مشروعة للشعب الذي له كامل الحق في التظاهر. و بالرغم من أن جميع السوريون يعلمون أن أجهزة الأمن كلها تعرف متى يذهب المواطن إلى الحمام في بيته وكم صوتا يصدر هناك، يحاول الآن أن يفهمنا أن أجهزته مسكينة و أنه “يا روح أمه” يريد حماية هؤلاء المتظاهرين الذين يشكلون بخروجهم الإجباري غطاءً لمسلحين يهدفون إلى إسقاط سورية الممانعة و سورية الدولة. وهذا يحتم على “الدولة” أن تقوم بواجبها في الحفاظ على أمن و استقرار الوطن.
و كان اكتمال هذا التبرير كاف لأن تقوم عصابات الأسد بدور العصابات المسلحة التي يتحدث عنها الأسد بقتل ما تشتهي من المواطنين، و أن تغتصب ما يعجبها من الحرائر، و أن تنهب ما غلا ثمنه و خفَّ حمله من ممتلكات المواطنين السوريين و غير السوريين دون أي وازع أخلاقي أو ديني أو قانوني.
و تتوالى الأحداث سريعةً، و كان أن خرجت المظاهرات الأولى على استحياء مع العلم التام و اليقيني لدى السوريين أن كل متظاهر دمشقي خرج حينها يعدل في شجاعته و إقدامه أمةً بأكملها فداءً و تضحية.
ثم انتفض أهلنا في درعا، وسقط شهداء بعد أن صرخوا مندهشين في وجوه القتلة من عصابات الأسد ” سلمية! … سلمية!… يا خونة”
و قالوا أيضاً ” “في حد بيقتل شعبو؟!!” قيلت هذه الكلمات و الدماء الطاهرة تشرِّف الأرض وتزيدها رفعة.
لم تفلح هذه الصرخات إلا في زيادة شراهة بشار للقتل و التنكيل، و مرت الأوقات بانتظار أن يمدَّ بشارٌ رأسه ليخاطب الشعب ولكنه دفع ببثينة شعبان – أو ثعبان على حد وصف الشارع السوري لها- إلى السوريين تقرِّعهم، و تؤنبهم، و تخوِّنهم.
والأهم من هذا وذاك، أنها خرجت لتكشف عن السهام الثلاثة التي براها نظامها الإرهابي.
و مرت الأيام و الأشهر ثقيلة محملةً بدماء السوريين، و جثث شهدائهم، فسقط أكثر من عشرة آلاف شهيد، و اختفى مثلهم و نيف، و اعتقل مئة ألفٍ أو يزيدون.
و راح النظام و شبيحته يستبسلون في تصوير طلب التدخل الأجنبي على أنه خيانة عظمى لا يغسل عارها إلا الدم، و كأنهم يعملون على غسل أدمغة الناس أو تنويمهم مغناطيسياً كي يقوموا هم فعلاً بما يحذِّرون منه أساساً، فلا يستطيع احد أن يتهمهم بأنهم يقومون باستقدام الأجنبي و لا سيما أنهم قد حذروا هم أنفسهم من هذا الاستقدام.
كما جاء في تصريح الإرهابي بشار في إحدى المقابلات الصحفية، هذا التصريح الذي يعتبر مثالاً صارخاً على اللعب على عقول الناس كافة بطريقة نفي ما يعارض المنطق و فعله في الوقت ذاته، و ذلك حين قال بأنه لا يصدق بأن هنالك حكومة عاقلة تقتل مواطنيها في حين أن دباباته أثناء حديثه كانت تدك السوريين في كل بقاع الوطن الجريح.
و بالفعل فقد لعب هذا النظام الإرهابي لعبة المسكين المستهدف و الذي لا يصدق أن نظاماً عاقلاً يقتل شعبه ليغطي على أفعاله الإرهابية، و الذي يشجب و يدين استجرار التدخل العسكري الأجنبي في الوطن، و لأنه يقول الشيء و ينفذ نقيضه تماماً، أعلن بأن هنالك مؤامرة كونية تهدف تدمير سورية و تفتيتها و طلب التدخل من إيران، و روسيا، و العراق، و الشق الإرهابي من لبنان المتمثل في حزب الله، لنصرته علما أنه منبع الإرهاب و ذنب إسرائيل الأكبر.
عرّى الشعب السوري البطل قطعان الشبيحة، و تصدى للولوغ الإيراني السافر في دماء شعبنا الأبي و ما يزال مستمراً في تصديه لهذه المؤامرة بعد أن أيقن أن العصابات المسلحة إنما هي بشار و صحبه من الشبيحة و قتلة الفرقة الرابعة و غيرها من القطع العسكرية التي استخلصها النظام صافية لحرب الشعب لا لحرب أخرى.
و لكن النظام و أثناء تقدمه في الإجرام و وتطوير و سائله الإرهابية راح يعمل على بث تلميحات خبيثة لقرب استخدام السهم الثالث الذي يعتبر آخر ما في جعبته الخاوية إلا من السموم الخبيثة المعدة للشعب الذي طالما اُستعبد من قبله و من قبل أبيه.
فتحويل سورية إلى بقعة تنتشر فيها ممالك مدن هو الملاذ الأخير للحفاظ على مسمى الرئاسة لآل الأسد- قدس الرب سرهم- مهما كلف الأمر كما يخيل للإرهابي بشار.
و كما أن مدمن المخدرات يود لو أن الناس جميعاً يدمنون على المخدرات، و أن السارق يتمنى أن يتحول كل شخص حوله لسارق، و أن بائعة الهوى تتمنى أن تكون كل نساء الأرض بائعات الهوى مثلها، يتمنى بشار الأسد أن تتجه بعض مكونات الأمة السورية إلى الانفصال، غير انه و إمعاناً في إيجاد تبريرات مسبقة لمخططه ألتقسيمي قام بتشجيع بعض هذه المكونات بشكل شيطاني على السعي لإعلان دولهم الكرتونية حينما يُحشر في الزاوية فيعلن الانفصال و الاستقلال عن سورية الأم في دولة “غرب سورية الأسد”.
أما إرهاصات التحضير لإنتاج هذا المسلسل الإرهابي صاحب الأهداف الخبيثة و الغبية هو أن قامت بعثة رسمية رفيعة التشبيح بزيارة ذلك الجزء من الوطن الذي يتكاثر فيه مواطنون أكراد ليحضروا احتفالاتهم بأعياد النيروز.
و بالتدقيق يلاحظ أنه من قبل هذه الزيارة لم يكن نظام البعث الحاكم يسمح باستخدام اللغة الكردية بشكل علني، و لا يسمح برفع أعلام كردية، و لا يمنحهم الجنسية سورية لمعظمهم. وفجأة، و بقدرة قادر، انخرطت قيادات البعث و بعض قيادات أحزاب الكرد في سروال واحد و دون مقدمات معلنة.
ثم قام هو بشحمه و لحمه بزيارات ماراثونية إلى عدة مناطق في جبل حوران حيث تم استقباله بحفاوة من بعض المنحبكجية التقليديين، حتى أن أحد الكهول حمله بين ذراعيه كما يحمل العاشق خليلته.
قال بشار أنه مع مطالب الشعب بالإصلاح فقام بإصلاح الوطن بإطلاق النار على المطالبين بالإصلاح بغية إفناءهم.
قال بشار أن هنالك عصابات مسلحة تقتل المواطنين الشرفاء فأوعز إلى شبيحته بأن يقتلوا و أن يغتصبوا و ينهبوا ما يحلوا لهم من ممتلكات السوريين.
و ما أكثر الأدلة تصريح بشار الأسد بما ما يفكر به. فقد قال بشار أن هنالك سعي من مخربين و أصحاب أجندات أجنبية تسعى للتدخل الأجنبي و العبث بسيادة الوطن، فسمح لعناصر الباسيج الإيراني و عناصر مقتدى الصدر و عناصر الإرهابي حسن نصر الله و للمخابرات الروسية للتدخل لقنص و قتل المتظاهرين السوريين، و لا ننسى السماح الصهيوني للنظام الإرهابي بجعل دباباته تقترب من مناطق محرمة من إسرائيل دون أن يرف لها جفن، أليس هذا نوعاً من أنواع التدخل الأجنبي أيضاً.
و قال بشار أن هنالك مخطط لتفتيت الوطن و تقسيم سورية المقاومة و الممانعة و…و… وهنا بيت القصيد. فإن كان يفعل ما يتهم به الآخرين و يحذر منه افليس من المنطق أن نبحث عن بوادر و آثار ما يمكن أن يقال عنها أجندة أسدية لتفتيت الوطن؟ طبعاً نعم و بالتأكيد.
و طالما أن بشار يتهم السوريين الشرفاء بما يفعله هو شخصياً، وقد ثبت هذا في كل شيء، فإن المنطق يقول أن بشار يسعى لتقسيم سورية بكل ما أوتي من قوة.
أما إرهاصات هذا الهاجس فيمكن القول أنه قد حدث بعضها فعلاً، و يمكن مراجعتها على النحو التالي:
أولاً- التحضير للتحصّن و التمترس في المناطق الساحلية بعد أن ظن خطئاً أن طائفته مانعته، و قد وصلت تقارير تفيد بأنه يحشد أحدث أسلحته من صواريخ و راجمات صواريخ، و أسلحة ثقيلة كمدرعات و مدافع بأشكالها في المناطق و المدن المحيطة بقبر والده.
ثانياً – في حركة فاضحة، غضَّ الطرف عن بدء الأكراد رسم حدود دولتهم المزعومة في شمال شرق سورية، و ذلك حين انتشرت أخبار و صور حواجز التفتيش الكردية التي يرتفع فوقها علم الكرد الانفصالي دون أية إدانة من إرهابي النظام الذين يدعون الحرص على وحدة الأرض السورية.
لست عالماً بالغيب لكي أفتي بأن النظام سيقوم بتقسيم البلاد، و لكن الدلائل كلها تشير إلى أن محاولة التقسيم- والتي ستكون فاشلة مئة بالمئة، هي خيار النظام الإرهابي الأخير في محاولته البقاء رباً يعبد حتى الرمق الأخير فلسان حاله يقول للسوريين:”حسناً، طالما أنكم تريدون التحرر مني فسأجعلكم تتمنون الموت أولاً، و من ثم سأجعلكم تتحسرون على الأمن، و من ثم سأمزق الوطن إلى أشلاء بعد أن أتيقن من صوملته.”
و يعتقد هذا الإرهابي أن لحظة إعلانه لدولته الفرعونية المصون ستكون ساعة الصفر لانفصال دول كردستان، و درزيستان و أسدستان عن سورية.
غير أن هذا الحالم المأفون لا يدرك أن قافلة الثورة السورية تسير من نصر إلى نصر مهما نبح هو و جوقته. و رُبَّ ضارة نافعة، فلعل خيار تقسيم سورية النائم لدى البعض ينتهي إلى الأبد لحظة خروجه للعلن بانتهاء طلاب الانفصال إلى أعواد المشانق، بعد محاكمتهم محاكمة عادلة على رؤوس الأشهاد من قبل حكومة الجمهورية العربية السورية الأولى التي ستكون إقامتها إعلان نهاية للعصور الوسطى العربية.
وكل ما هو مطلوب الآن من الشرفاء الأحرار هو التخطيط للتصدي لأية محاولة من هذا القبيل بالتكاتف و رصّ الصفوف ووضع دماء الشهداء لواء يستنهض الهمم الوطنية الشريفة صباح مساء.                             

عن حزب الوسط السوري

شاهد أيضاً

كنّا نأمل أن يكون وفدنا للتفاوض من فئة السابقين !

مقال كتبناه في حينه في ٣١-٠١-٢٠١٦ ، نعيد الآن نشره للتذكير والأرشفة نرجو ونناشد ونتمنى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com