الرئيسية / بيانات ومواقف / حوار في فلسفة الدستور ، بقلم؛ د ، مهيب صالحة .

حوار في فلسفة الدستور ، بقلم؛ د ، مهيب صالحة .

” فلسفة الدستور … حوارية ”
بقلم ؛ د . مهيب صالحة ، السويداء
سألني صديق عزيز : أي مادة أو نص في الدستور السوري تترجم ، برأيك ، فلسفته ؟ أجبته : المادة التي لم تكتب فيه . سألني باندهاش وفضول .. وأية مادة تلك ؟؟؟
أجبته : ” أيها الشعب العظيم طز فيك ” !!!…
ازداد اندهاشه وفضوله ولكن هذه المرة من وراء بسمة خجولة تعكس سوء فهم أو ربما شك بقواي العقلية .
بادرته بحركة سريعة من حاجبي توحي أنني أتفهم اندهاشه وفي الوقت نفسه أبدي استعدادي إرضاء فضوله .. انفرجت أساريره مبادراً : ها ها .. هل يعقل أن يخاطبوا الشعب بهذه السوقية ( طز فيك ) ؟؟!!! .
أأنت ساذج لهذه الدرجة يا صديقي ؟! هاجمته بعنف ناعم برشة من مفردات قانونية وسياسية تمهد لدخوله السلس إلى قصة فلسفية غير متوقعة دون أن يدرك تفاصيلها ، وأحافظ في الوقت ذاته من منطلق أن الهجوم خير وسيلة للحوار على عناصر قوة ربما تفيدني في سياق الحبكة .
أخذته من يده برفق .. هذه قصة بحاجة إلى رواق…تعال نجلس في ( بيت عتيق ) قريب من هاهنا وهو مكان هادئ وجميل ونرجيلته طيبة وقهوته أصيلة ..
رويدك رويدك .. لا تأكل بعقلي حلاوة .. أنا أفهمك …
فهمتني ، حسناً.. زين العابدين بن علي بعد ربع قرن من حكمه للتوانسة قال لهم ( فهمتكم ) .. ومعمر القذافي بعد أربعين سنة من حكمه لم يتعرف على الليبيين فيسألهم : من أنتم ؟؟!!! أما أنت يا صديقي فقد حققت رقماً قياسياً في فهمي ، لقد خشيت لبرهة أن تراني ، من دون مجهر ، مجرد جرثومة أو ربما بلطچي !! … ضحك صاحبي بسخرية وقال : نعم وكل واحد من هؤلاء ومن على شاكلتهم من عرب وعجم عنده دستور ( دستور من خاطرهم ) ويتباهى بدستوره .
أوافقك يا صديقي ، لكن شتان بين من ذكرت حضرتك وبين الدكتاتور العسكري بارك شونغ هي الذي قاد نهضة كوريا الجنوبية ، والسياسي الديمقراطي لي كوان يو الذي قاد نهضة سنغافورا ، ومهاتير محمد الذي قاد نهضة ماليزيا ، ورجب طيب أردوغان الذي يقود نهضة تركيا ، وهؤلاء وغيرهم ممن نهضوا ببلدانهم عندهم أيضاً دستور لكن المادة التي تترجم فلسفته تتصدره وتعبق روحها في جميع مواده ” أيها الشعب العظيم نحن في خدمتك وأنت الرقيب وأنت الحسيب ” . طيب بريطانيا أم الدستور وأعرق دولة دستورية ، دستورها غير مكتوب ، وفلسفته محفوظة في الوعي الجمعي للشعب والدولة والمؤسسات …
ربت صاحبي على كتفي بيده اليمنى تحبباً وضغط بيده اليسرى المتعاضدة مع يدي بحنان بينما كان الطريق يأخذنا إلى ( بيت عتيق ) على مهل ..
على طاولة خشبية معتقة ، تطل على الطريق المحوري عبر زجاج شفاف ، كل شيء عليه يمضي جيئة وذهاباً دونما اكتراث ، يكسر صوت فيروز العذب رتابة المكان والزمان اللذين ما عادا يطيقان النزوع إلى السكون ، سكون الأشياء وسكون العقول ، فسكون الأشياء ضد حركة التغيير وسكون العقول ضد حركة التفكير ، وكلاهما التفكير والتغيير يعشقان الحركة . من هاهنا بدأت قصة فلسفة الدستور …
كل شيء في حياتنا يا صديقي العزيز هو عقد . الزواج عقد ، والبيع عقد ، والشركة عقد ، والقرض عقد ، والإيجار عقد ، والوكالة عقد ، والهبا عقد ..حتى علاقتك بنفسك يا محترم عقد . والعقد يشترط وجود طرفين على الأقل رشيدين متراضيين لمعاوضة خدمات أو التبرع بخدمة بلا عوض .
يعني أفهم منك أن الدستور عقد . نعم الدستور عقد ويتميز عن جميع العقود بأنه اجتماعي متعدد الأطراف والأشخاص الطبيعية والمعنوية . عقد بالتراضي بين جميع أفراد الشعب والسلطة المنبثقة عنه والمؤسسات ينظم شؤون حياتهم . وهذا لا يمكن فهمه إلا في إطار الدولة ، التي هي أرض وشعب وسلطة .
لكن ما أعرفه أن القانون هو الذي ينظم حياة المجتمع أليس كذلك ؟.
نعم هذا صحيح لذلك الدستور هو القانون الأساسي الذي يتربع فوق كل القوانين ، وأي تخاصم بينه وبين القوانين العادية أو ما دونها ، الأولوية في التطبيق للدستور ، والمحكمة الدستورية هي الجهة القضائية الوحيدة التي تنظر في المخاصمات التي يكون الدستور طرفاً فيها .
وما علاقة كل هذا بفلسفة الدستور ؟ أم أنك كعادتك تحب فلسفة كل الأمور حتى التافهة منها ؟؟!!
ربما معك حق . لكن دعنا نرجع إلى أصل القصة . في بداية ربيع سورية اعتقدت السلطة أن الشعب يغادر الشارع إلى بيوته إذا غيرت الدستور ـ أجزم أن عدد من قرأ الدستور أو يتذكره لا يتجاوز ، في الأعم الأغلب ، أصابع اليدين وربما معهما الرجلين ـ غيرته كما تشتهي هي لا كما يشتهيه الشعب أو الحدث أو الواقع ، والشعب عوضاً عن مغادرة الشارع إلى بيوته غادر إلى مناطق الهجرة والنزوح تاركاً حواضره وقراه خراباً بسبب حرب ليست حربه إنما حرب السلطة والجماعات التي خطفت ثورته. بعد مضي خمس سنوات ، ورغم تعقد المشكلة أكثر من كل وجوهها ، كأن شيئاً لم يتغير ، يعود الدستور إلى الواجهة.
يا أخي لا أعرف لماذا الاصرار على أن الدستور هو لب المشكلة ، وبتغييره أو إصلاحه تصل إلى خواتيمها ؟ ومتى كنا ندير حياتنا بدستور ؟ أتذكر آخر عهدنا بالدستور منذ خمسين عاماً . ألا ليت ذلك الزمان يعود إلينا . زمن جميل أليس كذلك ؟!!…
الله الله الله ، هون حطنا الجمال ، أكمل حضرتك بقية القصة …كلي آذان صاغية .
ينفش صاحبي ريشه كأنه ملاكم أنهى الجولة لمصلحته بالنقاط أو ربما بالضربة القاضية ، وأردف قائلاً : الدستور عقد اجتماعي ، لا عقد وكالة ، إنه يلزم السلطة بإرادة الشعب الحرة ، وعلى الجميع أن يحترم ما تعاقد عليه الجميع . فالدستور الحالي ألغى قيادة حزب البعث للدولة والمجتمع لكن الحزب لم يسلم موجوداته التي استولى عليها للدولة ، ولم يكف عن التدخل في كل صغيرة وكبيرة في حياة الناس وإدارة الدولة . عدا عن ذلك قواعد دستورية كثيرة يتم تقييدها بقواعد قانونية فتنقلب القاعدة رأساً على عقب وتغدو مواد الدستور ثانوية أمام مواد القانون . ينص الدستور على حق الملكية الخاصة وحق الاستيلاء عليها للمصلحة العامة مقابل تعويض عادل بينما يسمح قانون الاستملاك للدولة الاستيلاء على ثلث العقار مجاناً يزداد إلى النصف لضرورات المصلحة العامة ، وإذا دفعت تعويضات فإنها تدعو للسخرية . الدومين العام من ساحات عامة وطرق وأرصفة وحدائق .. يحميه الدستور من أي تصرف وتراه مشغولاً بالأكشاك والبسطات والصفقات . ينص الدستور على الحريات الفردية والعامة لكنه يقيدها بالقوانين الاستثنائية والعادية . يقرر الدستور مبدأ فصل السلطات وكل السلطات عملياً بيد سلطة مركزية واحدة تهيمن على كل السلطات وهي السلطة الأمنية ـ الاقتصادية التي لا تتجاوز ثلة من الأفراد …
أووووف … مهلاً مهلاً ماذا حدث لك ؟؟ لقد أفرغت كل ما في جعبتك دفعة واحدة .. يعني باختصار تريد القول أن فلسفة الدستور يحيكها الشعب على ضوء خياراته الممكنة ويمنح السلطة وكالة مؤقتة لتنفيذ خياراته ، وأن السلطة تحت الدستور والقانون وليس فوقهما . والشعب السوري العظيم عبر عن خياراته الممكنة في بداية ثورته ، التي لا يلغي انحراف مساراتها إمكانية هذه الخيارات إذ أنها الوحيدة التي تترجم ليس فقط فلسفة الدستور القادم بل فلسفة حياة مجتمع برمته إذا أريد له أن يغادر التخلف نحو التقدم .
نعم ، ولكن إذا لم تتوفر مؤسسات دستورية تتحرك باستقلالية تامة لحماية خيارات الشعب في إطار الدستور فإن النكوص عن هذه الخيارات والارتداد إلى فلسفة دستورية تقوم على مبدأ تنازل الشعب ، القسري أو الإرادوي ، عن حقوقه للسلطة بموجب وكالة حصرية ، بالدستور أو بمعزل عنه ، هو خطر دائم يقود إلى مزيد من تغول السلطة على كل من الأرض والشعب .
هذا صحيح ، وأود أن أضيف إلى كلامك ، أن البحث في الدستور لا معنى له إذا لم يكن ضمن سلة متكاملة من الخطوات السياسة لتفكيك الحالة السورية المعقدة كي يسهل حلها .
أخمن أن الثلاثي الأسيتاني ( الروسي ـ الايراني ـ التركي ) يدفع الحل السياسي باتجاه واحد ، الدستور ، ليثبت واقع حال فرضه على الأرض بعمليات التهجير وتبادل الأراضي فيحقق ما نخشاه ـ ابرام عقد وكالة حصرية بين من ينتدبونه لتمثيل الشعب في لجنة دستورية وسلطة مركزية هشة أو سلطات لامركزية ضعيفة في الشمال والشرق والوسط والجنوب تؤمن لهم مصالحهم وتعمل تحت نفوذهم .
أتفق معك فقط لو استطاع هذا الثلاثي التفرد بالحل السياسي ، لكن من الواضح أن الثلاثي الباريسي المناظر ( الأمريكي ـ الأوروبي ـ العربي ) له كلمة أخرى …لا تكمل لا تكمل ، الصورة واضحة لصان دخلا منزلاً من بابين مختلفين ، مصلحتهما تقتضي تقاسم المسروقات عوضاً عن المجابهة التي ستكون خسارة فادحة لكلاهما .
وطن يضيع ، ونحن نتجادل حول فلسفة الدستور وأشياء أخرى … جملة قصيرة تلخص معاناة شعب ووطن لفترة طويلة ، نطقناها معاً ، مع دخان النرجيلة الذي يخرج متقطعاً من صدرنا على شكل دوائر بيضاء تتعانق في جو ( بيت عتيق ) رغم اختلافها …
د . مهيب صالحة / السويداء / أيار ٢٠١٨

عن حزب الوسط السوري

شاهد أيضاً

ثورتنا هبةٌ من الله إلينا ، لم نشكره عليها ولم نعطها حقها !

واجب  علينا الإحتفال بذكرى انطلاقة ثورتنا المجيدة  ، لنؤكد إنها مستمرة ،بحول الله تعالى ،بالرغم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com