أما في سورية فقد مضى على اندلاع الثورة السلمية الشعبية تسعة أشهر، تجاوز عدد الشهداء فيها أكثر من 4500 شهيد، ومثلت أجهزة أمن النظام بجثث الأطفال والشيوخ، واستباحت الدبابات والطائرات المدن والقرى وعملت بأهلها تقتيلاً وتنكيلاً وتشريداً، وداهم الأمن معظم المستشفيات، لاعتقال الجرحى الذين خرجوا في المظاهرات؛ ثم أعادهم إلى أهاليهم بعد أيام جثثاً هامدة. أما الاعتقال فحدّث ولا حرج، فلا تكاد تخلو أسرة سورية من وجود معتقلين من أبنائها في أقبية أجهزة المخابرات. لهذا يتساءل المراقبون الغربيون المتابعون للأحداث التي تجري في سورية، والمواطن العربي عموماً، والمواطن السوري خصوصاً، عن سبب تردد المجتمع الدولي في اتخاذ قرارات صارمة ضد النظام الوحشي السوري، على رغم المجازر التي يرتكبها بحق المدنيين يومياً.
الحقيقة أن تخاذل الجامعة العربية، الممثلة للأنظمة العربية، في اتخاذ قرارات حاسمة تجاه النظام السوري على المجازر التي يرتكبها قد أحرج الكثير من دول الغرب. بل حتى إن منظمة التعاون الإسلامي، التي عقدت مؤتمرها الأخير الأسبوع الماضي في جدة، لم تجرؤ على إدانة النظام السوري صراحة، فربما من وجهة نظرها أن ذبح المسلمين هناك يجري على الطريقة الإسلامية (ذبح حلال).
إن هذا الصمت المريب عن جرائم النظام السوري الذي يتبناه المجتمع الدولي بشكل عام، والجامعة العربية بشكل خاص، قد أثار حفيظة الشعب السوري، فأخذت تكثر التساؤلات في الإعلام الغربي والعربي حول أسبابه، بعضهم حلل تلك المواقف المتخاذلة من الجامعة العربية بأن النظام السوري مرتبط ارتباطاً وثيقاً بإسرائيل، وأن الحقيقة لا تخفى على كل ذي بصيرة في أن العلاقة السورية الإسرائيلية هي أمتن من العلاقات الإسرائيلية مع أي دولة عربية؛ بل وأمتن من العلاقات الإسرائيلية مع الكثير من الدول الغربية، وإن تاريخ العلاقة السرية بين سورية وإسرائيل منذ عهد حافظ الأسد يعلمه القاصي والداني، منذ تسليم حافظ الأسد الجولان السوري لإسرائيل في مقابل تثبيت حكمه.
ويرى الكثير من المحللين السياسيين أن هناك مصالح إستراتيجية تربط بين إسرائيل في المنطقة، والأقلية العلوية التي تهيمن على فريق الحكم في سورية، وأن هناك تكاملاً عضويًا بين مصالح النظام في سورية والاحتلال في إسرائيل. تلك الرؤية ترى أن النظام في سورية يحتاج إلى تصريحات مسرحية هزلية في الإعلام بأنه في حال صراع مع إسرائيل لكي يستمر في الحكم ويبرر ممارساته وإنفاقه العسكري، وإسرائيل أيضاً في حاجة إلى التهويل بالخطر العسكري السوري لتبرر طلب مساعدات عسكرية ضخمة، والتركيز على برنامج تسلح هائل.
وبعضهم كان لهم رؤية متباينة تماماً عن الرؤية الأولى، فهم رأوا أن المجتمع الدولي يخشى من حرب إقليمية، لا طاقة للغرب بشكل عام، وتركيا ودول الخليج بشكل خاص، في تحمل كلفتها. إذ قام النظام السوري، حين أحس بخطر سقوطه، بتهديد الدول الغربية بالهلال الشيعي من إيران إلى العراق ماراً بسورية إلى لبنان، وبأن دول هذا الهلال ستقف بجانبه في حال تعرضه لأي تهديد خارجي، وبالفعل بدأت تبرز بعض مظاهر استعراض العضلات تلك، حين أطلق حزب الله صواريخ عدة على الأراضي الإسرائيلية، تبع هذه الحادثة تصريحات بعض ملالي إيران، وحسن نصر الله، ونبيه بري بأنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي إذا تعرض النظام السوري لأي محاولة لتغييره بالقوة.
إن قضية حق «الفيتو» الذي تهدد به روسيا إنما هي مسرحية هزلية مكشوفة، وهي ليست إلا تبادل أدوار بينها وبين دول الغرب. فالغرب حين يقرر شيئاً لا ينتظر أي قرار من الأمم المتحدة. وهو محيط بالشأن السوري، وأجهزة القمع والتنكيل الذي يمارسه النظام منذ 40 عاماً ويصمت عنه. وقد تعمد غض الطرف عن النظام حين ارتكب مجزرة حماة عام 1982، التي ذهب ضحيتها أكثر من 48 ألف سوري بريء. وفي كل عام كان يصدر تقرير عن لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان في سورية، يُذكر فيه الكثير من الانتهاكات لحقوق المواطن السوري تحت ظل قانون الطوارئ. وتعطيل القضاء المدني، وإطلاق العنان لمحاكم أمن الدولة والمحاكم العسكرية. ويُذكر فيه وجود آلاف المعتقلين السياسيين في أفرع المخابرات والسجون السورية. بل وذكرت التقارير عن وجود 129 سجناً وفرعاً للمخابرات في سورية، يُمارس فيها أشد وأقسى أنواع التعذيب والتنكيل، ومع هذا كله فقد كشفت بعض وكالات الأنباء الغربية الخاصة عن فضيحة نقل المساجين من سجن غوانتانامو، بطائرات خاصة تابعة لـ C I A إلى سورية، لشهرتها الواسعة في تعذيب السجناء؛ لأجل تعذيبهم واستنطاقهم وأخذ الاعترافات منهم. بل إن الولايات المتحدة الأميركية سلمت سورية ماهر عرار السوري الذي يحمل الجنسية الكندية، ليقبع في سجونها لمدة عامين.
وبعد كل هذا الطرح فإن الشعب السوري لا يزال يحدوه الأمل في أن تنتقل الجامعة العربية من حال (الامتعاض)، التي صرحت بها، إلى مرحلة العمل الجدي لإنقاذه من هذا النظام الدموي.
Al Wasat Party حزب الوسط السوري
